الشيخ محمد رشيد رضا

466

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فهذه الآيات كآية الأعراف سؤالا وجوابا فالسؤال عن الساعة من حيث ارساؤها ومنتهى أمرها ، والجواب رد ذلك إلى الرب مضافا إلى ضمير رسوله فما أخبره به في قوله ( إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ) هو ما أمره أن يجيب به في قوله ( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ) وفيه ايذان بأن ما هو من شأن الرب ، لا يكون للعبد ، فهو تعالى قد رباه ليكون منذرا ومبشرا ، لا للاخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها ، والانذار إنما يناط بالإعلام بالساعة وأهوالها ، والنار وسلاسلها وأغلالها ، ولا تتم الفائدة منه الا بابهام وقتها ، ليخشى أهل كل زمن اتيانها فيه . والاعلام بوقت اتيانها وتحديد تاريخها ينافي هذه الفائدة بل فيه مفاسد أخرى ، فلو قال الرسول للناس ان الساعة تأتي بعد ألفي سنة من يومنا هذا ، مثلا - وألفا سنة في تاريخ العالم وآلاف السنين تعد أجلا قريبا - لرأى المكذبين يستهزؤن بهذا الخبر ويلحون في تكذيبه ، والمرتابين يزدادون ارتيابا ، حتى إذا ما قرب الاجل وقع المؤمنون في رعب عظيم ينغص عليهم حياتهم ، ويوقع الشلل في أعضائهم ، والتشنج في أعصابهم ، حتى لا يستطيعون عملا ، ولا يسيغون طعاما ولا شرابا ، ومنهم من يخرج من ماله وما يملكه ، من حيث يكون الكافرون آمنين ، يسخرون من المؤمنين ، وقد وقع في أوربة أن أخبر بعض رجال الكنيسة الذين كان يقلدهم الجمهور بان القيامة تقوم في سنة كذا فهلعت القلوب واختلت الاعمال ، وأهمل أمر العيال ، ووقف المصدقون ما يملكون على الكنائس والأديار ، ولم تهدأ الأنفس ويثوب إليها رشدها الا بعد ظهور كذب النبأ بمجيء أجله دون وقوعه ، فالحكمة البالغة إذا في ابهام أمر الساعة العامة للعالم ، وكذا الساعة الخاصة بأفراد الناس ، أو بالأمم والأجيال ، وجعلها من الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به ، على ما سنذكر في إيضاحه ، فلذلك قال بعد حصر أمرها في علمه . لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ هذا جواب عن طلب معرفة الوقت الذي يكون ارساؤها فيه ، يقال جلالي الامر وانجلى ، وجلاه فلان تجلية بمعنى كشفه وأظهره أتم الاظهار . واللام الداخلة على وقتها تسمى لام التوقيت كقولهم : وكتب هذا الكتاب لغرة المحرم أو لعشر مضين أو بقين من صفر . والمعنى لا يكشف حجاب الخفاء عنها ولا يظهرها في وقتها المحدود عند الرب تعالى إلا هو ، فلا